مولي محمد صالح المازندراني

32

شرح أصول الكافي

قال ( عليه السلام ) لإثبات وجوده بالدَّليل الإنّي المفيد لليقين « إنّي لمّا نظرت إلى جسدي » الّذي هو البناء العظيم والعالم الكبير لاشتماله على أعضاء مخصوصة وأركان معيّنة وقوى معلومة وعروق ساكنة ومتحرِّكة على نضد عجيب وتركيب غريب لمصالح كثيرة ومنافع جليلة الّتي يعجز عن تحريرها لسان البيان وعن تحديدها عقول أصحاب العرفان ( ولم يمكنّي فيه زيادة ولا نقصان في العرض والطول ورفع المكاره عنه ) المكاره جمع المكروه وهو ما يكرهه الإنسان ويشقُّ عليه والمكره بالضمِّ والفتح المشقّة مثل المصايب والنوايب الواردة على الإنسان . ( وجرِّ المنفعة إليه ) النفع ضدُّ الضرِّ يقال : نفعته بكذا فانتفع والاسم المنفعة ( علمت أنَّ لهذا البنيان ) المشتمل على عجايب الخلقة ولطايف الفطرة ( بانياً ) بناه على عمد وتدبير وعلم وتقدير ( 1 ) وفيه استعارة مصرَّحة ترشيح ( فأقررت به ) أي بوجوده وربوبيّته وقدرته ألا ترى أنّك إذا رأيت بناء مركباً من آلات مثل الطين والحجر والجصِّ والآجر والخشب ونحوها جزمت بأنَّ له بانياً بناه وإن لم تشاهده ونسبت من قال : إنّه حدث بنفسه ووجد من قبل ذاته إلى السفه والجنون . وفي كتاب درَّة التاج إنّه كان لبعض الملوك شكُّ في وجود الصانع وتنبّه به وزيره وكان عاقلاً فأمر ببناء قصور عالية وإجراء مياه جارية وإحداث بساتين عامرة في مفازة من غير أن يعلم الملك ذلك ثمَّ ذهب بالملك إلى ذلك المقام فلمّا رآه الملك قال : من بناه قال الوزير : حدث تلقاء نفسه وليس له بان ، فغضب عليه الملك فقال الوزير : يطول عمرك ايّها الملك إن كان وجود هذا البناء بلا بان ممتنعاً فكيف يصحُّ وجود هذا البناء العظيم أعني الأرضين والسّماوات وما فيهنَّ من العلويّات

--> 1 - « قوله وعلم وتقدير » إن قيل قد علمنا أن لبدننا خالقاً غيرنا إذ لا يمكننا أن نزيد في بدننا وننقص عنه ونجر إليه منفعة أو ندفع عنه ضرراً فعلمنا أن فاعل ذلك في بدننا غيرنا وأما أنه فاعل صاحب علم وتقدير فلم يعلم من عجزنا عنه فلعله طبيعة الحر والبرد والهواء والماء وطبيعة الكل المحيطة بنا كما يقول به أصحاب الطبائع ، قلنا : هذا الاعتراض مبني على وهم غلط سار في أكثر الناس وهو أنا نحتاج إلى واجب الوجود في أمور لا علة طبيعية لها وهذا الوهم مما تصالح العوام عليه سواء كانوا من الملاحدة أو من المتدينين فإذا علم أحدهم السبب الطبيعي للمطر والسحاب والبرق والنبات وتكوّن النطفة وغير ذلك جعلوه علقة واحتج الملحد على الموحد بأن هذه الأسباب تغني عن علة غيرها ويحتج الموحد العامي بإنكار هذه الأسباب مطلقاً حتى يمكن نسبتها إلى الله تعالى والحق أن جميع ما يقع في العالم فهو بقدرة الله تعالى ، وتأثيره والطبيعة آلة كالمنشار في يد النجار مؤثرة بالتسخير جعلها الله تعالى واسطة لمصالح يعلمها والقول بتأثير الطبيعة ولكن بتسخير الله تعالى صريح القرآن الكريم وأظن أني رأيت في مروج الذهب « قال أهل الديانات : أن كل ما لا يعلم له في الطبيعة مجري فهو فعل إلهي يدل على توحيد الله عز وجل وحكمته وليس للجزر والمد علة في الطبيعة البتة ) . وهذا غلط إذ كل ما يعلم له في الطبيعة علة فهو يدل على توحيد الله وحكمته أيضاً وللجزر والمد علة طبيعية . ( ش )